شرف خان البدليسي

94

شرفنامه

ولكنهم لم يستطيعوا اللحاق بهم مع ما جدّوا في السير بخيولهم المنهكة ، وكان محمدي ومن معه قطعوا في أربعة أيام ما يستغرق قطعه عشرة أيام حتى بلغوا لرستان . ولما علم شاه رستم بخبر وصول أخيه على هذا المنوال ، فزع وتنازل عن أعباء الحكم حالا ، وطلق عروس الحكم والسلطان ثلاثا ، وغادر لرستان في نفس السنة إلى قزوين ، وأقام بها طيلة حياته في حالة يرثى لها ؛ حيث لم يتيسر له قط حكم لرستان مستقلا مرة أخرى ، حتى قضى نحبه بأجله الموعود . وأما محمدي فقد صار حاكم لرستان المطلق ، وأميرها المنفرد الذي كان يهتف لسان حاله ويقول : أنا ولا غيري . وقد سلك طريق المداراة والسياسة الحكيمة مع الشاه طهماسب والشاه إسماعيل الثاني ، وجلب رضائهما وعطفهما نحوه طيلة حياتهما ؛ حيث أظهر بعدهما انقياده وخضوعه لسدة المغفور له السلطان مراد خان الثالث العثماني ، الأمر الذي حمل أولياء الأمور في الآستانة على مكافأة هذا الأمير الكيّس ، ما دام قائما بواجبات الصداقة نحو الدولة ، فألحقوا بإيالته الأصيلة نواحي : مندلي ، وچسان ، وبادرانى ، وترساق من الأملاك الخاصة الهمايونية التابعة لبغداد ( دار السلام ) ، والتي يقدّر إيرادها العام بمبلغ اثنتي عشرة كيسا من الذهب العثماني ، وهو ما يساوي ستمائة تومان من رايج العراق من العملة ، وأرسلوا إليه منشورا بإبقاء إيالة لرستان الموروثة مع ملحقاتها في عهدته ، ومعه خلع سنيّة من حمائل سيف مذهبة مرصعة . فمضت بضع سنين على هذه الحال ، وهو متمتع بالثقة والرضاء ، وأخيرا دبت عقارب الخلاف والحسد بينه وبين المير ميران والي بغداد ، وسائر البكوات العثمانية فيها ؛ حيث أخذوا يدّسون له لدى البلاط العثماني بتهمة عدم القيام بما هو مطلوب منه من حسن الخدمة والتفاني في الإخلاص ، حتى حصلوا سرا على أمر همايوني بإلقاء القبض عليه ، ولكن محمدي علم في الوقت المناسب بما بيتّه له مير ميران بغداد ، فأخذ حذره منه ، وفعلا تعرض أحد ضباط بغداد ذات يوم له ، وأراد القبض عليه ففشل في مسعاه ، وعند ذلك تحاشى محمدي التجول في أطراف بغداد ، واستغنى عن ملاحظة محصول ومنافع الخواص السلطانية العائدة لبغداد ؛ كما أن نجليه : شاهوردى ، وجهانگير اللذين كانا رهينة في بغداد ، قد انتهزا ذات يوم فرصة ركوب الباشا ولاذا بالفرار من بغداد ، متجهين نحو